الغزي

13

نهر الذهب في تاريخ حلب

ونحن نزيد على ذلك أنه ربما كان في نيّة الغزي أن يؤلف جزءا خامسا يشتمل على الباب الرابع من الكتاب ، بحسب تقسيمه هو لأبواب كتابه . ومهما يكن من أمر فقد بذلت مساع كثيرة للحصول على الجزء الرابع المفقود أو للعثور عليه ، ولكن تلك الجهود ذهبت أدراج الرياح ، وتبددت الآمال المنشودة . ولا بد من الإشارة إلى أن الغزي قد اعتمد في تأليف كتابه على مصادر كثيرة ، مطبوعة ومخطوطة . في التاريخ والاجتماع ، والأدب واللغة ، ذكر بعضها في مواضع من كتابه ، وأغفل بعضها الآخر . ويعد كتابه « نهر الذهب » - إلى جانب كونه في تاريخ حلب - موسوعة ثقافية واجتماعية وعمرانية تتلاقى فيها صور الماضي الغابر بالحاضر الراهن في زمن الغزي ، وكثيرا ما كان يستطرد إلى ذكر موضوعات جانبية مفيدة في أثناء تناوله لبعض الظواهر ، كحديثه عن التصوير في الإسلام ، وعن قهوة البنّ واكتشاف حبّه أول مرة . . . وقد أنفق الغزي في سبيل جمع كتابه . وتأليفه سنوات طويلة من عمره ، فقال في مقدمته : « وبعد ، فإني منذ زمن بعيد أعاني جمع هذا الكتاب ، وأصرف على تأليفه من نقد عمري وجوهر مالي ما يستكثر مثله من أمثالي . وقد تتبعت من أجله العدد الكثير من الكتب التاريخية وغيرها ، وتصفحت زهاء مائة مجلّد من السجلات المحفوظة في المحكمة الشرعية ، وتكبدّت عناء زائدا في الاطلاع على دفاتر الدوائر الرسمية ، وعلى ما هو مدّخر في المكتبات الخيرية والأهلية من المجاميع والرّقاع . . وكنت في أثناء استقصائي أخبار الآثار أضطرّ في بعضها إلى تحمل مشاقّ الأسفار ، لأتمكن من الاطلاع على حقيقة حالها ، وأكتب عنها كتابة تحقيق ، لا كتابة تقليد وتلفيق » . يقول الدكتور سامي الدهان « 1 » : « والواقع أن الذي يميز هذا الكتاب من سواه ، أن صاحبه أعمل فيه الرويّة والعقل ، والنقد والتمحيص ، والتثبت والتبويب ، أكثر مما يعمل النقل والتقليد والرواية على علاتها ، فكان تاريخا على الطريقة الحديثة سبق به زمانه ، وكفى المؤلفين بعد زمانه مؤونة التأليف في مثله ، فقد نظر في المصادر العربية القديمة ، واستطاع أن يعرف ما في المصادر الأجنبية عن سبيل أصدقائه من الفرنجة المقيمين بحلب ، أو المسيحيين المطّلعين على

--> ( 1 ) قدماء ومعاصرون 227 - 228 .